مكتبة ربيعمنصة أكاديمية للنشر والمعرفة
العودة إلى المقالات

تطور أنظمة الموازنة العامة والتقييم الاقتصادي للمشروعات

دراسة مقارنة للتحول نحو العقلانية الاقتصادية بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة

الدكتور ربيع الهاشمي

The Evolution of Public Budgeting Systems and Economic Appraisal of Projects

A Comparative Study of the Transition Toward Economic Rationality Between the United Kingdom and the United States

الملخص

استهدفت هذه الدراسة تتبع التطور التاريخي والرقابي لأنظمة الموازنة العامة والتقييم الاقتصادي للمشروعات، ورصد أثر التحول من الإدارة المالية التقليدية إلى "العقلانية الاقتصادية". وناقش البحث الدور الهيكلي لوزارة الخزانة البريطانية (HM Treasury) في وضع سقوف الإنفاق عبر آلية مراجعة الإنفاق والموازنات الموجهة بالمهام، مع إبراز أهمية عزل التوقعات المالية وإسنادها إلى جهات مستقلة مثل مكتب مسؤولية الموازنة (OBR). كما تناولت الدراسة الجذور الفكرية لهذا التحول المتمثلة في نظام تخطيط وبرمجة الموازنة الأمريكي (PPBS) وتأثير تقرير فولتون (1968)، والذي تمخض عنه مأسسة أدوات القياس الكمي وولادة "الكتاب الأخضر" كدستور تقييمي ملزم. وعبر دراسة مقارنة فكك البحث المعالجة المحاسبية والرياضية لاشتقاق معدل الخصم الاجتماعي بناءً على "معادلة رامزي" بين الاقتصادين البريطاني والأمريكي، حيث تم استعراض توجهات الخزانة البريطانية في تبني هيكل خصم متناقص زمنياً ومعدلات تفضيلية (1.5%) لقطاعي الصحة والبيئة حمايةً للعدالة بين الأجيال، مقابل التوجهات الفيدرالية الأمريكية (OMB) التي تفصل دفترياً بين المعدل خالي المخاطر (2.0%) والمعدل المتضمن للمخاطر (3.1%). واختتم البحث بتحديد التمايز المعياري الجوهري بين الخصم الاجتماعي والخصم التجاري في القطاع الخاص القائم على المتوسط المرجح لتكلفة رأس المال (WACC) وعلاوات المخاطر الحادة. وتوصي الدراسة الاقتصاديات الناشئة بمأسسة جهات رقابية مستقلة وصياغة أدلة محاسبية وطنية إلزامية لعقلنة تخصيص نفقاتها الرأسمالية.

الكلمات المفتاحية: الموازنة العامة، التقييم الاقتصادي، معدل الخصم الاجتماعي، الكتاب الأخضر، معادلة رامزي، كفاءة التكلفة.


Abstract

This study aims to trace the historical and regulatory evolution of public budgeting systems and project economic appraisal, capturing the paradigm shift from traditional financial administration to "economic rationality". The research examines the structural role of the UK Treasury (HM Treasury) in setting multi-year spending ceilings through the "Spending Review" and mission-led budgeting framework, highlighting the importance of insulating fiscal forecasts via independent fiscal watchdogs like the Office for Budget Responsibility (OBR). Furthermore, the study explores the intellectual roots of this transition, embedded in the US Planning-Programming-Budgeting System (PPBS) and the subsequent influence of the Fulton Report (1968), which institutionalized quantitative analysis and led to the inception of "The Green Book" as a mandatory appraisal manual. Through a comparative analysis updated for 2026 data, the paper deconstructs the accounting and mathematical formulation of the "Social Discount Rate" derived from the Ramsey formula in both the UK and US economies. It reviews the UK Treasury's approach in adopting a declining discount rate structure and preferential rates (1.5%) for health and environmental projects to safeguard intergenerational equity, contrasting it with the US Federal guidelines (OMB) that differentiate between a risk-free social rate (2.0%) and a risk-adjusted social rate (3.1%). The study concludes by establishing the core normative divergence between social discounting and commercial discounting in the private sector, which relies strictly on the Weighted Average Cost of Capital (WACC) and aggressive risk premiums. The paper recommends that emerging economies institutionalize independent fiscal watchdogs and formulate mandatory national appraisal manuals to rationalize their capital allocations.

Keywords: Public Budgeting, Economic Appraisal, Social Discount Rate, The Green Book, Ramsey Formula, Cost-Efficiency.


1. المقدمة (Introduction)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على رسوله الأمين

وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد؛

تعد الموازنة العامة للدولة الأداة الاستراتيجية المحورية لترجمة السياسات العامة إلى تدفقات مالية كمية، حيث تتجاوز وظيفتها التقليدية القائمة على ضبط النفقات والرقابة القانونية على بنود الصرف، لتصبح أداة لتقييم الأداء الاقتصادي وتعظيم المنفعة الاجتماعية. وقد شهد الفكر المالي والمحاسبي في العقود الأخيرة تحولاً جذرياً نحو "العقلانية الاقتصادية"، وهو ما فرض الانتقال من محاسبة الالتزام التقليدية إلى أنظمة المحاسبة الإدارية الحديثة وموازنات البرامج والأداء. ولم يعد القياس المحاسبي مقتصراً على تسجيل التكاليف التاريخية، بل امتد ليتضمن التحليل المالي الاستشرافي والمفاضلة بين البدائل الاستثمارية العامة باستخدام أدوات الرقابة والتقييم الكمي.

وفي هذا السياق، تبرز تجربتا المملكة المتحدة والولايات المتحدة كنموذجين رائدين في مأسسة أنظمة التقييم الاقتصادي وتطوير أدوات القياس المحاسبي للمشروعات العامة. فبينما طورت وزارة الخزانة البريطانية (HM Treasury) دليلاً محاسبياً واقتصادياً صارماً يُعرف بـ "الكتاب الأخضر"، يرتكز على معادلات رياضية لتقدير معدل الخصم الاجتماعي (STPR)، يتبنى مكتب الإدارة والموازنة الأمريكي (OMB) معايير محاسبية مرنة توازن بين الأصول الخالية من المخاطر وعلاوات التحوط المالي. إن هذا التحول يعكس رغبة الأنظمة المالية المعاصرة في إخضاع الإنفاق العام لمعايير كفاءة التكلفة (Cost-Efficiency) وضمان توافق القيمة الحالية للتدفقات النقدية والاجتماعية المستقبلية مع مبادئ الاستدامة المالية والعدالة بين الأجيال (HM Treasury, 2022; Office of Management and Budget [OMB], 2023).

2. مشكلة البحث (Research Problem)

تواجه الإدارة المالية العامة معضلة مستمرة تتمثل في كيفية تخصيص الموارد السيادية المحدودة بين مشاريع عامة تتنافس على رأس المال المتاح. وتتجسد مشكلة البحث في رصد وتحليل أثر التحول من الإدارة المالية التقليدية إلى "العقلانية الاقتصادية"، والوقوف على طبيعة المعايير المحاسبية والاقتصادية المستخدمة في تقييم المشروعات؛ وتحديداً من خلال الإجابة عن التساؤل الرئيس التالي: "كيف ساهم التطور الهيكلي لأنظمة الموازنة العامة والتحول نحو أدوات التحليل الكمي (كتحليل التكلفة والعائد) في صياغة معايير محاسبية واقتصادية معاصرة لتحديد معدلات الخصم الاجتماعي، وما هي أوجه التمايز بينها وبين معايير الخصم التجاري في القطاع الخاص؟"

وينبثق عن هذا التساؤل الرئيس الأسئلة الفرعية الآتية:

  1. ما هي الملامح المحاسبية والرقابية لدورة الموازنة البريطانية الحديثة في إطار موازنة المهام وسقوف الإنفاق؟

  2. كيف أثر نظام تخطيط وبرمجة الموازنة الأمريكي (PPBS) تاريخياً على البنية الإدارية والمحاسبية للخدمة المدنية في بريطانيا؟

  3. ما هي أوجه الاختلاف والتشابه في التقديرات المحاسبية لمعدلات الخصم الاجتماعي بين وزارة الخزانة البريطانية (HM Treasury) ومكتب الإدارة والموازنة الأمريكي (OMB)؟

  4. كيف يسهم تفكيك "علاوة المخاطرة" و"تكلفة الفرصة البديلة" في تفسير الفجوة بين معدلات الخصم الاجتماعي والخصم التجاري؟

3. أهمية البحث (Research Significance)

  • الأهمية العلمية (الأكاديمية): يرفد هذا البحث المكتبة العربية بدراسة تأصيلية مقارنة تجمع بين الفكر المالي العام وتطبيقات المحاسبة الإدارية الحديثة، مما يسهم في سد الفجوة المعرفية المتعلقة بآليات اشتقاق معدلات الخصم وبناء النماذج الاسترشادية لتقييم المشاريع العملاقة.

  • الأهمية العملية (التطبيقية): يوفر البحث إطاراً مرجعياً معاصراً لراسمي السياسات المالية ومصممي الأنظمة المحاسبية الحكومية في الدول النامية، للاسترشاد بمعايير بعض الدول المتقدمة عند إجراء تخصيص النفقات الرأسمالية (Capital Allocation) وتقدير التكاليف والمنافع الاجتماعية للمشاريع القومية.

4. أهداف البحث (Research Objectives)

يسعى هذا البحث إلى تحقيق الأهداف الآتية:

  1. تحليل الهيكل الرقابي والتشريعي لدورة الموازنة العامة في المملكة المتحدة والوقوف على دور الهيئات المستقلة في إعداد التوقعات المالية.

  2. تتبع التطور التاريخي للأثر المحاسبي والإداري للنموذج الأمريكي (PPBS) على إصلاح الخدمة المدنية البريطانية ومأسسة معايير التقييم الاقتصادي.

  3. إجراء دراسة مقارنة ومقيمة للسياسات والنماذج الرياضية المستخدمة في حساب معدل الخصم الاجتماعي بين بريطانيا وأمريكا.

  4. تحديد الفروق الهيكلية الجوهرية في معالجة المخاطر وتكلفة التمويل بين دفاتر المحاسبة الاجتماعية للمشروعات العامة ودفاتر المحاسبة المالية (التجارية) في القطاع الخاص.

5. فرضيات البحث (Research Hypotheses)

بناءً على مشكلة البحث وأهدافه، يمكن صياغة الفرضيات التالية للاختبار:

  • الفرضية الأولى: "يسهم إسناد التوقعات الاقتصادية والمالية لجهات رقابية مستقلة (مثل مكتب مسؤولية الموازنة البرلماني) في الحد من انحرافات التقدير المالي وتحييد أثر تحيز التفاؤل السياسي عند صياغة سقوف الإنفاق العام".

  • الفرضية الثانية: "يوجد ارتباط وثيق بين تحول الفكر المالي نحو العقلانية الاقتصادية وتطور أدوات التقييم الكمي (كتحليل التكلفة والعائد) في الستينيات، وبين مأسسة الأدلة المحاسبية الإلزامية للمشروعات الرأسمالية (مثل الكتاب الأخضر البريطاني)".

  • الفرضية الثالثة: "يعكس التباين المعياري في تقديرات معدلات الخصم الاجتماعي لعام 2026 بين الاقتصادين البريطاني والأمريكي اختلافاً فلسفياً في المعالجة المحاسبية لإدارة عدم اليقين وآليات التحوط المالي لحماية حقوق الأجيال القادمة".

  • الفرضية الرابعة: "يؤدي اختلاف الأهداف الجوهرية وطرق معالجة علاوات المخاطر وتكلفة الفرصة البديلة بين القطاعين العام والخاص إلى نشوء فجوة معيارية واسعة بين محددات الخصم الاجتماعي ومحددات الخصم التجاري عند تقييم الاستثمارات".

6. منهجية البحث (Research Methodology)

لتحقيق أهداف البحث واختبار فرضياته، يعتمد الباحث على التكامل بين ثلاثة مناهج علمية: المنهج التاريخي لتتبع الجذور التاريخية لنظام (PPBS) وتقرير فولتون (1968)، والمنهج الوصفي التحليلي لوصف وتحليل الآليات الحالية المعمول بها في وزارة الخزانة البريطانية والـ (OMB) الأمريكي، والمنهج المقارن لإجراء مقارنة بين معايير ومعدلات الخصم الاجتماعي المطبقة في البلدين، والتمييز بينها وبين محددات الخصم في المحاسبة التجارية.

الفصل الأول: الإطار الهيكلي والرقابي لإعداد الموازنة العامة في المملكة المتحدة

تمهيد: يستهدف هذا الفصل تشريح البيئة الهيكلية والرقابية الحاكمة لإعداد الموازنة العامة في المملكة المتحدة كنموذج معاصر للإدارة المالية المتقدمة. ولتحقيق هذا المستهدف، يتم تقسيم الفصل إلى ثلاثة مباحث متكاملة؛ حيث يركز المبحث الأول على أدوات المحاسبة الإدارية لوزارة الخزانة البريطانية المتمثلة في مراجعات الإنفاق وسقوف التكاليف والموازنات الموجهة بالمهام. وينتقل المبحث الثاني لفحص الآليات الرقابية المستقلة لضمان نزاهة البيانات المالية والتنبؤية عبر تجربة مكتب مسؤولية الموازنة. بينما يختتم الفصل بمبحثه الثالث مستعرضاً المسار التشريعي والتدقيق البرلماني لقوانين المالية وحزم الاعتمادات لضمان المساءلة الديمقراطية.

المبحث الأول: موازنة ومحاسبة البنود التقليدية: المفهوم والعيوب الهيكلية

شكلت موازنة البنود التقليدية (Line-Item Budgeting) – والتي ارتبطت تاريخياً بنشأة الفكر المالي العام ومحاسبة الالتزام الحكومية – المعيار الأساسي لإدارة الأموال السيادية لعقود طويلة. وتستند هذه المنهجية التقليدية إلى فلسفة رقابية وقانونية صارمة، إلا أن قصور أدواتها المحاسبية والإدارية شكل الدافع الرئيس للبحث عن أساليب كمية متطورة تتماشى مع العقلانية الاقتصادية الحديثة (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024).

أولاً: المفهوم والمكونات المحاسبية لموازنة البنود

تعرف موازنة البنود من المنظور المحاسبي بأنها: خطة مالية يتم فيها تبويب وتصنيف الاعتمادات النقدية المخصصة للصرف بناءً على طبيعة أو نوع المصروف الذاتي (Object of Expenditure) وليس على أساس الهدف من الإنفاق (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024).

وفي ظل هذا النظام، تقسم الدفاتر والسجلات المحاسبية للدولة إلى أسطر أو "بنود" محددة ومستقلة (مثل: بند الرواتب والأجور، بند الإيجارات، بند الأدوات المكتبية، وبند المشتريات الرأسمالية). وترتكز هذه الممارسات على تحقيق هدفين رئيسيين:

  1. الرقابة القانونية الصارمة (Legal Compliance): التأكد من أن الجهات التنفيذية لا تتجاوز الحدود الرقمية المرسومة لكل بند، وأن الصرف يتم وفقاً للمستندات واللوائح القانونية المعتمدة.

  2. محاسبة الالتزام والمدخلات (Input Accounting): التركيز الحصري على تدقيق "المدخلات المالية" والتأكد من مطابقتها الدفترية للتفويض البرلماني الممنوح، مما يجعل وظيفة المحاسب الحكومي وظيفة تسجيلية وتعاقدية لا علاقة لها بتقييم كفاءة التشغيل (National Research Council, 1969).

ثانياً: العيوب الهيكلية لـمحاسبة البنود وقصور أدوات التقييم

على الرغم من نجاح موازنة البنود في تحقيق الرقابة القانونية ومنع الاختلاس المالي المباشر، إلا أنها واجهت انتقادات حادة من قبل خبراء المحاسبة الإدارية والاقتصاد المالي؛ نظراً لنشوء عيوب هيكلية تعوق كفاءة تخصيص رأس المال العام، وتتمثل في الآتي:

  1. إهمال المخرجات وقياس الأداء (Neglect of Outcomes): يعاب على محاسبة البنود بأنها تشكو من عمى الـمخرجات؛ فهي تخبر القارئ والمُدقق بدقة عن حجم الأموال التي تم بها شراء الأدوات المكتبية أو المخصصة للرواتب، لكنها تعجز تماماً عن تقديم أي بيانات أو مؤشرات تكاليفية توضح أثر هذا الإنفاق، أو جودة الخدمة التعليمية أو الصحية الناتجة عنه (National Research Council, 1969).

  2. ظاهرة "الموازنة المتزايدة تلقائياً" (Incremental Budgeting): تؤدي هذه المنهجية التقليدية إلى تشوه رقابي في تقدير الموازنات للسنوات المقبلة؛ حيث تعتمد الوزارات عند بناء موازنتها الجديدة على أرقام السنة التاريخية السابقة كقاعدة مسلم بها، ثم تُضيف إليها نسبة ثابتة دون إعادة تقييم لجدوى الإنفاق أو تفكيك التكاليف الغارقة (Sunk Cost)، مما يتسبب في تضخم الإنفاق العام وهدر رأس المال (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024).

  3. تطبيق قاعدة "استخدمها أو أفقدها" (Use it or Lose it): من المنظور السلوكي والمحاسبي، تدفع موازنة البنود المديرين في القطاع العام إلى الإسراف في الصرف العشوائي مع نهاية السنة المالية لاستنفاد الأرصدة المتبقية في البنود؛ خشية أن يقوم البرلمان أو وزارة الخزانة بتخفيض مخصصاتهم الدفترية في الموازنة القادمة، مما يقضي تماماً على أي حافز لتحقيق الوفورات الاقتصادية أو رفع الكفاءة التكاليفية (Cost-Efficiency) (HM Treasury, 2022).

  4. العجز عن دعم القرار الاستثماري طويل الأجل: تفتقر موازنة البنود إلى وجود أدوات محاسبية استشرافية مثل تحليل التكلفة والعائد (Cost Benefit Analysis) أو آليات خصم التدفقات النقدية (Cash Flow Discount Mechanism)؛ مما جعل إقرار المشاريع الرأسمالية الكبرى يتم بناءً على معايير سياسية أو تقديرات اعتبارية متفائلة تفتقر للموضوعية العلمية (RAND Corporation, 1969).

إن هذا القصور البنيوي والمحاسبي لموازنة البنود التقليدية أثبت عدم قدرته على مسايرة تعقد الاستثمارات العامة، وشكل المبرر المعرفي والرقابي الحقيقي وراء نداءات التغيير التي طالبت بالتحول نحو العقلانية الاقتصادية ومأسسة معايير التقييم الاستشرافي، التي سيتم مناقشتها في المباحث التالية (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024).

المبحث الثاني: مراجعة الإنفاق والموازنة الموجهة بالمهام

يتطلب التحول نحو العقلانية الاقتصادية إعادة هندسة جذرية للأنظمة الحكومية، والانتقال بها من مجرد دفاتر لتسجيل التكاليف الجارية إلى منظومات محاسبية استشرافية تدعم اتخاذ القرارات الاستراتيجية. وتعتمد وزارة الخزانة البريطانية (HM Treasury - Her Majesty's Treasury) على أداتين محوريتين لإدارة النفقات الرأسمالية والتشغيلية وتوجيه الموارد السيادية.

أولاً: آلية مراجعة الإنفاق وتحديد سقوف التكاليف (Spending Review)

تمثل "مراجعة الإنفاق" (Spending Review) الأداة التنفيذية والمحاسبية الإدارية الأهم التي تستخدمها وزارة الخزانة البريطانية لهيكلة السياسة المالية وتخصيص رأس المال (Capital Allocation) على المدى المتوسط والطويل (HM Treasury, 2022). وتتميز هذه الآلية بخصائص محاسبية ورقابية جوهرية تهدف إلى الحد من هدر الموارد العامة:

  1. إقرار السقوف المالية الصارمة (Hard Budget Constraints): تتحول مراجعة الإنفاق من مجرد تقدير اعتباري إلى صياغة سقوف إنفاق ملزمة متعددة السنوات (تتراوح عادة بين 3 إلى 5 سنوات) لكل وزارة وقطاع حكومي. من منظور محاسبة التكاليف، تمنع هذه السقوف ظاهرة "الموازنة المتزايدة تلقائياً" (Incremental Budgeting) حيث تجبر الوزارات على تبرير مركزها المالي وتكاليفها دون افتراض زيادات سنوية حكمية (Office for Budget Responsibility (OBR), 2025).

  2. التصنيف المحاسبي للنفقات (Expenditure Classification): تفرض وزارة الخزانة فصلاً محاسبياً دقيقاً في دفاترها وسجلاتها لضمان انضباط التدفقات النقدية:

    • حدود الإنفاق الإداري (Departmental Expenditure Limits - DEL): وهي النفقات التي يمكن السيطرة عليها وتخضع لرقابة حثيثة مسبقة وسقوف محددة، مثل تكاليف تشغيل الدوائر الحكومية ورواتب الموظفين والمشتريات الرأسمالية المباشرة (HM Treasury, 2022).

    • الإنفاق الخاضع لطلب الاستحقاق التلقائي (Annually Managed Expenditure - AME): وهي النفقات الكلية الصعبة التنبؤ بها بدقة وتتأثر بالدورة الاقتصادية، مثل مدفوعات الرعاية الاجتماعية، والمعاشات التقاعدية، وفوائد الدين العام؛ حيث يتم مراجعتها سنوياً نظراً لطبيعتها الهيكلية المتقلبة (OBR, 2025).

  3. تعظيم القيمة مقابل المال (Value for Money - VfM): تخضع كافة النفقات المدرجة ضمن المراجعة لمعايير تدقيق صارمة تقيس ثلاثة أبعاد محاسبية وإدارية رئيسة تُعرف بـ (3Es): الكفاءة (Efficiency)، والاقتصادية (Economy)، والفعالية (Effectiveness). ويهدف هذا الإجراء للتأكد من أن تخصيص الموارد المالية يترجم إلى منافع عينية واقتصادية حقيقية تتجاوز التكلفة التاريخية المستثمرة (HM Treasury, 2022).

ثانياً: الموازنة الموجهة بالمهام (Mission-led budgeting)

امتداداً لتطوير الأدوات المحاسبية الحكومية، تبنت المملكة المتحدة مفهوم "الموازنة الموجهة بالمهام" (Mission-led budgeting)، كبديل متطور عن موازنات البرامج التقليدية. ويرتكز هذا الأسلوب المعاصر على المبادئ التالية:

  1. القياس المحاسبي القائم على المخرجات والأثر (Outcome-Based Accounting): في موازنة المهام، يتم التخلي عن الفلسفة المحاسبية التي تركز حصراً على "المدخلات التكاليفية" (كم خصصنا من أموال؟)، وتُستبدل بـ "محاسبة الأداء الاستراتيجي" (ما الذي حققناه بهذه الأموال؟). يتم ربط حزم الإنفاق والمخصصات المالية بـ "مهام وطنية كبرى" محددة (مثل: صفر انبعاثات كربونية، تطوير البنية التحتية الرقمية، الرعاية الصحية الاستباقية) (OBR, 2025).

  2. تفكيك الصوامع القطاعية ومحاسبة المسؤولية المشتركة (Cross-Departmental Responsibility): تواجه المحاسبة الحكومية التقليدية عيباً هيكلياً يسمى "تأثير الصومعة" (Silo Effect)، حيث تدافع كل وزارة عن موازنتها وسجلاتها الخاصة بشكل منفصل. أما الموازنة الموجهة بالمهام، فتسمح بإنشاء "مراكز تكلفة مشتركة" (Shared Cost Centers) وموازنات متقاطعة بين عدة وزارات لتمويل مهمة واحدة (HM Treasury, 2022). ويتطلب ذلك نظام تقارير مالية وتدقيق متقدم يضمن تتبع التدفقات النقدية وتحديد المسؤولية المالية بدقة دون تداخل في الدفاتر والسجلات المحاسبية للجهات المشاركة.

  3. التحليل الحركي للتكاليف والمنافع (Dynamic Cost-Benefit Analysis): تطلب موازنة المهام مراجعة مستمرة للجدوى الاقتصادية والمالية طوال دورة حياة المهمة (Project Lifecycle). فإذا أظهرت تقارير الرقابة والمحاسبة الإدارية أن الانحرافات التكاليفية (Cost Variances) تتجاوز الحدود المسموح بها، أو أن "القيمة الحالية للمنافع" آخذة في التآكل، عندها يتم إعادة تخصيص رأس المال أو تعديل المسار الاستراتيجي فوراً، مما يعطي الموازنة العامة مرونة ديناميكية عالية (HM Treasury, 2022).

المبحث الثالث: الدور الرقابي المستقل واستقلالية التوقعات

يرتبط نجاح أنظمة الموازنة الحديثة بركيزة محاسبية أساسية هي موثوقية البيانات المالية والتقديرية؛ فالموازنات العامة بطبيعتها تعد بيانات تقديرية استشرافية (Pro-forma Financial Statements) عرضة للتشوهات والانحرافات الناجمة عن التفاؤل المفرط أو ما يعرف بالمحاسبة المفتعلة (Creative Accounting) في المالية العامة (HM Treasury, 2022). ومن هذا المنطلق، تبنت المملكة المتحدة نموذجاً رقابياً يرتكز على سحب سلطة التقدير الاقتصادي والمحاسبي من يد السلطة التنفيذية وإسنادها إلى جهة تكنوقراطية مستقلة.

أولاً: مأسسة الدور الرقابي: مكتب مسؤولية الموازنة (OBR - Office for Budget Responsibility)

تم تأسيس مكتب مسؤولية الموازنة (Office for Budget Responsibility - OBR) في عام 2010 كهيئة رقابية عامة مستقلة (Non-departmental public body) بموجب قانون الاستدامة المالية والمسؤولية المالية، ليمثل نقطة تحول جوهرية في فكر المراجعة والتدقيق المالي الكلي للسياسات الحكومية. وتتلخص مهام هذا المكتب من المنظور الرقابي والمحاسبي في الآتي:

  1. إعداد التوقعات الاقتصادية والمالية الرسمية (Economic and Fiscal Outlooks): يقوم المكتب بإصدار توقعات رسمية مستقلة مرتين في السنة على الأقل لمدى خمس سنوات قادمة (OBR, 2025). وتشمل هذه التقارير تنبؤات محاسبية دقيقة للناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات التضخم، وعجز الموازنة، ومستويات الدين العام الإجمالي والصافي. والجدير بالذكر أن وزارة الخزانة البريطانية مجبرة قانوناً على اعتماد هذه التوقعات حصراً كأساس لبناء مسودة الموازنة العامة، مما يمنع الحكومة من تضخيم الإيرادات المتوقعة لتبرير التوسع في النفقات (OBR, 2025).

  2. تقييم الأداء المالي مقابل القواعد المالية (Fiscal Rules Assessment): تعمل الحكومات البريطانية وفق "قواعد مالية" مستهدفة (على سبيل المثال: خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بحلول السنة الخامسة من التوقعات). يتولى مكتب (OBR) دور المدقق الخارجي المستقل الذي يفحص دفاتر وسجلات الدولة ويصدر حكماً موضوعياً حول ما إذا كانت السياسات المالية الحالية والمستقبلية كفيلة بتحقيق هذه المستهدفات أم أن هناك انحرافات مالية تتطلب المعالجة (OBR, 2025).

  3. تحليل استدامة المالية العامة واستشراف المخاطر المالية (Fiscal Risks Report): يقوم المكتب بإجراء تدقيق استشرافي طويل الأجل يمتد لعقود (تحليل الحساسية المالية - Fiscal Sensitivity Analysis) لتقييم أثر شيخوخة السكان، والتغير المناخي، والالتزامات التقاعدية على الميزانية العمومية للدولة (Sovereign Balance Sheet) (OBR, 2025).

ثانياً: أثر استقلالية التوقعات في تعزيز النزاهة المحاسبية والتحوط المالي

إن عزل عملية تقدير وتوقع الأرقام المالية عن السلطة التنفيذية ينعكس مباشرة على جودة ونزاهة الدفاتر المحاسبية للدولة من خلال محورين رئيسيين:

  1. كبح جماح "تحيز التفاؤل المالي" (Fiscal Optimism Bias): أثبتت الأدبيات المحاسبية والاقتصادية أن الحكومات تميل تاريخياً إلى الإفراط في تقدير معدلات النمو الاقتصادي وضغط تقديرات النفقات الحقيقية لإظهار عجز أقل من الواقع (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024). ومن خلال إسناد التقدير لمكتب مستقل مثل (OBR)، تم القضاء على هذا التحيز، حيث تُبنى التقديرات المحاسبية على نماذج كمية موضوعية خاضعة للمساءلة الأكاديمية والمهنية (OBR, 2025).

  2. تطبيق مبدأ التحوط والحيطة المحاسبية في المالية العامة (Prudence Concept): تُمثّل استقلالية التوقعات تفعيلاً حقيقياً لـ "مبدأ الحيطة والحذر" (Prudence)؛ فمكتب (OBR) لا يعتمد على أفضل السيناريوهات المتفائلة، بل يدرج "هوامش أمان" وعلاوات مخاطر لمواجهة الصدمات الاقتصادية غير المتوقعة (مثل تقلبات أسعار الفائدة أو سلاسل الإمداد) (HM Treasury, 2022). هذا الأسلوب يفرض على الخزانة البريطانية بناء موازنة قادرة على تحمل الصدمات العنيفة دون السقوط في فخ الإعسار المالي، ويمنع نشوء "عجز مستتر" غير مدرج في الحسابات الختامية الرسمية (HM Treasury, 2022).

المبحث الرابع: التشريع البرلماني والمساءلة الديمقراطية

لا تكتمل الدورة المحاسبية والرقابية للموازنة العامة إلا بإخضاعها لآليات المساءلة والاعتماد التشريعي المباشر. فالموازنة في جوهرها تمثل تفويضاً محاسبياً وقانونياً ممنوحاً من الشعب للسلطة التنفيذية لجباية الإيرادات وتخصيص النفقات. يخضع المسار التشريعي والرقابي داخل برلمان المملكة المتحدة (UK Parliament) لآليات محاسبية تضمن مطابقة الصرف الفعلي للاعتمادات المقررة قانوناً.

أولاً: المسار التشريعي للموازنة: قانون المالية والتقديرات الرئيسية

تتحول مخرجات التخطيط المالي لوزارة الخزانة وتوقعات مكتب مسؤولية الموازنة إلى وثائق قانونية ملزمة عبر مسارين تشريعيين ومحاسبيين متوازيين داخل البرلمان:

  1. التقديرات الرئيسية (Main Estimates / Supply Estimates): تُمثّل التقديرات الرئيسية الطلب المحاسبي الرسمي والمفصل الذي ترفعه الوزارات والدوائر الحكومية إلى البرلمان في بداية السنة المالية، وتحدد فيه بدقة حجم حزم الاعتمادات المالية المطلوبة (Supply Grants) لتغطية نفقاتها (HM Treasury, 2022). ومن منظور المحاسبة الحكومية، يتم تبويب هذه التقديرات تبويباً دقيقاً يربط الأموال بـ مراكز تكلفة (Cost Centers) وبرامج تشغيلية محددة. ويكمن دور هذه التقديرات في أنها تشكل الأساس القانوني والدفتري الذي يبني عليه البرلمان نقاشاته، ليقوم بعدها بالتصويت والمصادقة على "قانون التخصيص" (Appropriation Act). ويُعد هذا القانون النهائي هو الوثيقة التشريعية الملزمة التي تمنح السلطة التنفيذية الشرعية القانونية الكاملة للمباشرة في سحب وصرف الأموال المخصصة؛ سواء لتغطية نفقات حدود الإنفاق الإداري (Departmental Expenditure Limits - DEL) الخاضعة للسقوف المسبقة، أو لتغطية التزامات الإنفاق الخاضع لطلب الاستحقاق التلقائي (Annually Managed Expenditure - AME) المرتبط بالدورات الاقتصادية، والتي تم تفصيلها في المبحث الأول (HM Treasury, 2022).

  2. قانون المالية (Finance Bill / Finance Act): بينما تركز التقديرات الرئيسية على جانب المصروفات، يركز قانون المالية على جانب الإيرادات والتمويل السيادي. يُطرح هذا القانون في البرلمان عقب بيان الموازنة (Budget Statement) الذي يقدمه مستشار الخزانة (Chancellor of the Exchequer). يتضمن القانون الأطر المحاسبية والتشريعية لفرض الضرائب، وتعديل الشرائح الضريبية، واستحداث أدوات التحصيل المالي، مما يضمن أن عمليات الجباية والتدفقات النقدية الداخلة إلى "حساب صندوق الأموال الموحد" (Consolidated Fund)، وهو حساب الخزينة المصرفي الرئيسي للحكومة لدى بنك إنجلترا، تتم وفق معايير الإفصاح والشفافية القانونية (OBR, 2025).

ثانياً: آليات الرقابة والتدقيق البرلماني لضمان المساءلة المالية

لا تنتهي مهمة البرلمان عند التصويت والمصادقة على القوانين المالية، بل تمتد لتشمل رقابة لاحقة صارمة على تنفيذ الموازنة عبر ذراعين رقابيين وتنفيذيين رئيسيين:

  1. مكتب التدقيق الوطني (National Audit Office- NAO): يُعد مكتب التدقيق الوطني الهيئة المستقلة العليا للرقابة المالية والمحاسبية في المملكة المتحدة، وهو يقدم تقاريره مباشرة إلى البرلمان، ورئيسه يعتبر مسؤولاً سيادياً تابعاً لمجلس العموم (Officer of the House of Commons)، مما يضمن حصانته واستقلاليته عن السلطة التنفيذية أثناء فحص الحسابات الختامية للدولة (HM Treasury, 2022). يتولى المكتب دور المدقق الخارجي المستقل للحسابات الختامية للدولة؛ حيث يقوم بفحص القوائم المالية والتقارير المحاسبية لكافة الوزارات والهيئات الحكومية للتأكد من أمرين جوهريين: مشروعية الصرف والانتظام المالي (Regularity and Propriety) للتحقق من أن الأموال العامة قد أُنفقت في الأغراض المحددة لها قانوناً وضمن حدود الاعتمادات المصادق عليها، وتدقيق القيمة مقابل المال (Value for Money Audits) لتقييم مدى كفاءة استخدام الموارد والحد من الهدر الاقتصادي، ومطابقة الأداء الفعلي للمستهدفات المحاسبية الموضوعة مسبقاً (HM Treasury, 2022).

  2. لجنة الحسابات العامة (Public Accounts Committee-PAC): تُعتبر لجنة الحسابات العامة في مجلس العموم البريطاني واحدة من أقوى اللجان البرلمانية وأقدمها تعهداً للمساءلة المالية. تستند اللجنة في أعمالها حصراً على التقارير المحاسبية والنتائج التفتيشية المرفوعة إليها من مكتب التدقيق الوطني. تمتلك اللجنة سلطة استدعاء كبار المسؤولين التنفيذيين في الوزارات، والذين يحملون المسمى "المسؤول المحاسبي الأوّل" (Accounting Officer)، لمساءلتهم علناً عن أي انحرافات جوهرية (Material Variances) في موازناتهم، أو قضايا هدر مالي، أو قصور في أنظمة الرقابة الداخلية (Internal Control Systems) (HM Treasury, 2022).

الفصل الثاني: التحول نحو العقلانية الاقتصادية والأثر الأمريكي (1960 - 1970)

يتناول هذا الفصل تحليل الجذور التاريخية والتحولات الفكرية التي قادت أنظمة المالية العامة نحو "العقلانية الاقتصادية" في الفترة الممتدة بين عامي 1960 و1970. وينتظم الفصل في ثلاثة مباحث؛ حيث يستعرض المبحث الأول نشأة نظام تخطيط وبرمجة الموازنة الأمريكي (PPBS) في وزارة الدفاع الأمريكية وآليات انتقاله دولياً. ويناقش المبحث الثاني أثر تقرير لجنة فولتون (1968) في إعادة هيكلة الخدمة المدنية البريطانية وإحلال الاحترافية الفنية ومحاسبة المسؤولية محل الأساليب التقليدية. ويختتم الفصل بمبحثه الثالث متتبعاً مأسسة تقنيات تحليل التكلفة والعائد ونشأة "الكتاب الأخضر" كدستور تقييمي ملزم لوزارة الخزانة البريطانية.

المبحث الأول: نظام تخطيط وبرمجة الموازنة الأمريكي (PPBS) وانتقاله دولياً

شهدت فترة الستينيات من القرن العشرين ثورة منهجية في أدبيات المالية العامة والمحاسبة الحكومية؛ حيث واجهت "موازنة البنود التقليدية" (Line-Item Budgeting) انتقادات واسعة لقصورها عن تقديم مؤشرات محاسبية تعكس كفاءة التشغيل أو تدعم التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024). وفي هذا السياق، ظهر نظام تخصيص للأموال يعتمد على أساليب كمية متطورة لتخطيط وبرمجة الموازنة في الإدارات الأمريكية، أطلق عليه تسمية (Planning-Programming-Budgeting System) كإطار محاسبي وإداري متطور يسعى لإخضاع الإنفاق العام لقواعد "العقلانية الاقتصادية" (National Research Council, 1969).

أولاً: الجذور الفلسفية والمكونات الهيكلية لنظام (PPBS)

يعود الفضل في تطوير هذا النظام "مؤسسة راند" (RAND Corporation) البحثية في خمسينيات ومطلع ستينيات القرن العشرين، قبل أن يتم تبنيه وتطبيقه بنجاح باهر في وزارة الدفاع الأمريكية (Department of Defense) عام 1961 تحت قيادة وزير الدفاع آنذاك روبرت ماكنامارا (McNamara) (RAND Corporation, 1969). ونظراً لنجاحه الفني في ضبط النفقات العسكرية، أصدر الرئيس الأمريكي ليندون جونسون في 25 أغسطس عام 1965 أمراً تنفيذياً بتعميم النظام على كافة القطاعات والوزارات الفيدرالية المدنية (National Research Council, 1969).

هذا السبق الفيدرالي الأمريكي في مأسسة الأساليب الكمية بين عامي 1961 و1965، شكل المرجعية العلمية والمحاسبية الأساسية التي ارتكزت عليها الحكومة البريطانية عندما قررت تشكيل لجنة فولتون عام 1966؛ حيث درست اللجنة هذا النموذج الأمريكي المتطور عن كثب، واقتبست آلياته ثم أصدرت تقريرها عام 1968 (Fulton, 1968).

يرتكز نظام (PPBS) من المنظور المحاسبي والإداري على دمج ثلاثة أبعاد أساسية في وثيقة مالية موحدة:

  1. التخطيط (Planning): ويشمل تحديد الأهداف الاستراتيجية الكبرى للدولة على المدى الطويل، وتحليل الاحتياجات العامة (RAND Corporation, 1969).

  2. البرمجة (Programming): تُمثّل مرحلة تجميع الأنشطة الحكومية في "حزم برامجية" موحدة بدلاً من توزيعها بين الوزارات؛ حيث يتم تحديد "مراكز المسؤولية" (Responsibility Centers) وتوجيه المدخلات والموارد نحو مخرجات برامجية محددة وقابلة للقياس الكمي (National Research Council, 1969).

  3. الموازنة (Budgeting): وهي الصياغة المالية السنوية والنقدية للبرامج المعتمدة؛ حيث تترجم الخطط والبرامج إلى "موازنة نقدية تشغيلية ورأسمالية" توضح بدقة التكلفة التقديرية (Estimated Cost) لكل برنامج والمنافع المتوقعة منه (RAND Corporation, 1969).

ثانياً: الآليات المحاسبية لنظام (PPBS) والانتقال الفكري دولياً

أحدث نظام (PPBS) نقلة نوعية في أدوات القياس والتقرير المالي للحكومات، وتجسد ذلك في استحداث وتطوير ممارسات محاسبية وإدارية غير مسبوقة، كان لها الأثر الأكبر في انتقال هذا النموذج دولياً إلى الأنظمة المالية الأخرى، ولا سيما الخزانة البريطانية (Connolly & McKeown, 2026):

  1. إعادة توجيه التنظيمات المحاسبية على أساس البرامج (Program-Oriented Accounting): ألغى نظام (PPBS) التبويب التقليدي للموازنة الذي يقسم النفقات حسب طبيعة المصروف (رواتب، إيجارات)، واستبدله بـ التبويب البرامجي (التعليم الأساسي، تطوير الطرق). سمح هذا التحول للمحاسبين الحكوميين بربط التدفقات النقدية الخارجية (Cash Outflows) مباشرة بالمخرجات الفعلية (National Research Council, 1969).

  2. اعتماد أسلوب تحليل التكلفة والمنافع (Cost-Benefit Analysis-CBA): يعد دمج أسلوب تحليل التكلفة والمنافع في صلب العمل المحاسبي الحكومي الإسهام الأبرز لنظام (PPBS). فلم يعد التدقيق المحاسبي مقتصراً على مراجعة الفواتير والمستندات التاريخية، بل أُجبرت الوحدات الإدارية على تقديم تحليل مالي كمي يثبت أن القيمة الحالية للمنافع والوفورات الاقتصادية من المشروع تفوق القيمة الحالية للتكاليف الرأسمالية والتشغيلية المستثمرة فيه (RAND Corporation, 1969).

  3. الانتشار الدولي والعدوى المنهجية: أثارت الفلسفة المحاسبية والرقابية لنظام (PPBS) اهتمام الدول المتقدمة؛ حيث رأت فيه أداة مثالية لعقلنة الإنفاق العام والسيطرة على العجز المالي المتزايد (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024). وكانت المملكة المتحدة من أوائل الدول التي تتبعت هذا التطور الفيدرالي الأمريكي عن كثب، وبدأت بدراسة كيفية إسقاط تقنيات التحليل الكمي وإعادة الهيكلة البرامجية على أجهزتها الإدارية والمحاسبية الخاصة (Connolly & McKeown, 2026).

المبحث الثاني: تقرير فولتون (1968) وإعادة هيكلة الخدمة المدنية البريطانية

لم يكن لنظام تخطيط وبرمجة الموازنة الأمريكي (PPBS) أن يجد أرضاً خصبة للتطبيق في المملكة المتحدة دون إحداث ثورة إدارية ومحاسبية تطيح بالهياكل التقليدية القديمة. وقد تمثلت هذه الثورة في تقرير لجنة فولتون الصادر عام 1968 بموجب وثيقة الأمر السامي (Cmnd. 3638)، والذي أحدث هزة عنيفة في بنية الخدمة المدنية البريطانية (UK Civil Service)، ممهداً الطريق لولادة ممارسات المحاسبة الإدارية الحديثة في دهاليز العمل الحكومي (Fulton, 1968).

أولاً: تفكيك "عقيدة الهاوي" والدعوة إلى الاحترافية الفنية والكمية

تأسست الخدمة المدنية البريطانية تاريخياً على نموذج يمنح القيادة والإدارة المالية لطبقة من الموظفين الإداريين العموميين، وهو ما وصفه تقرير فولتون بـ "عقيدة الهاوي" (The Cult of the Generalist). والمقصود بها هنا؛ إسناد الإدارة المالية لموظفين عموميين يمتلكون ثقافة عامة لكنهم يفتقرون إلى المعارف التخصصية في علوم المحاسبة والاقتصاد وأساليب التحليل الكمي، مما جعل إدارة الموازنات تقتصر على مراقبة التدفقات النقدية بشكل دفتري بحت دون فهم حقيقي لتخصيص التكاليف (Cost Allocation) أو قياس كفاءة الأداء (Performance Measurement) (Fulton, 1968).

وقد جاء تقرير فولتون ليعلن عدم ملاءمة هذا النموذج لإدارة دولة رفاه حديثة تواجه تعقيدات مالية متزايدة، ونادى بضرورة تفعيل المبادئ الآتية:

  1. تمكين المهنيين والمحاسبين (Professionalization): إحلال الكوادر الفنية المتخصصة من محاسبين قانونيين، واقتصاديين، ومحللي نظم في المراكز القيادية لوزارة الخزانة والوزارات التنفيذية، لضمان إدارة الشؤون المالية بعقلية علمية محترفة (Fulton, 1968).

  2. الاعتماد على التحليل الكمي (Quantitative Analysis): نص التقرير صراحة على أن الأساليب والتقنيات الحديثة، مثل البرمجة الخطية (Linear Programming) وتحليل التكلفة والعائد (Cost-Benefit Analysis)، أصبحت ضرورة ملحة ويجب استخدامها إلى أقصى حد في الخدمة المدنية كمعايير أساسية لتقييم السياسات العامة (Fulton, 1968).

ثانياً: إدخال أدوات المحاسبة الإدارية والإدارة القائمة على النتائج

لم يكتفِ تقرير فولتون بنقد الوضع القائم، بل وضع حجر الأساس لإعادة هيكلة المنظومة المحاسبية الحكومية عبر تبني مفهوم الإدارة القائمة على الأداء (Performance-Based Management)، وتجسد ذلك في محورين محاسبيين رئيسيين (Connolly & McKeown, 2026):

  1. مأسسة محاسبة المسؤولية (Responsibility Accounting): انتقد التقرير غياب المسؤولية المالية الشخصية في النظام القديم، حيث كانت التكاليف تضيع بين الأقسام دون وجود شخص مسؤول عن الانحرافات. ودعا فولتون إلى تطبيق نظام محاسبة المسؤولية عبر تقسيم الوزارات إلى "وحدات تخطيط" (Planning Units) ومراكز موازنة واضحة المعالم، يُعين على رأسها مديرون تنفيذيون يمتلكون صلاحيات مالية كاملة، ويكونون مسؤولين بصفة شخصية عن ضبط انحرافات الموازنة (Budget Variances) (Fulton, 1968).

  2. التدقيق القائم على النتائج وكفاءة التشغيل (Output-Oriented Auditing): قاد التقرير الفكر المحاسبي الحكومي البريطاني للتخلي عن فلسفة التدقيق المستندي التقليدي – القائم على مطابقة الفواتير بالقوانين – والتحول نحو تدقيق الأداء وتقييم السياسات (Policy Evaluation). وبموجب هذا التحول، أصبحت التقارير المحاسبية الدورية ملزمة بتقديم مقارنات حية بين التكاليف الفعلية (Actual Costs) والمخرجات العينية المتحققة (Fulton, 1968).

المبحث الثالث: مأسسة التقييم ونشأة "الكتاب الأخضر" (The Green Book)

مثلت الإصلاحات التي نادى بها تقرير فولتون البيئة التنظيمية لنقل تقنيات التحليل الكمي والمحاسبي من حيز التنظير إلى حيز المأسسة والتطبيق الإلزامي داخل أروقة صناعة القرار البريطاني (Connolly & McKeown, 2026). وقد توجت وزارة الخزانة البريطانية (HM Treasury) هذا المسار بإصدار دليلها المحاسبي والاقتصادي الموحد لتقييم المشروعات والسياسات، والمصطلح على تسميته رسمياً بـ "الكتاب الأخضر" (The Green Book)، والذي بات بمثابة الدستور المحاسبي والإداري الحاكم لكافة النفقات الرأسمالية في الدولة (HM Treasury, 2022).

أولاً: انتقال تقنيات تحليل التكلفة والمنفعة إلى وزارة الخزانة البريطانية

تأثرت وزارة الخزانة البريطانية بالنجاحات المحاسبية التي حققها نظام تخطيط وبرمجة الموازنة الأمريكي (PPBS) في ضبط القياس المالي للمشروعات العملاقة؛ فقامت بتبني وتطوير أسلوب تحليل التكلفة والعائد ونقله من النطاق العسكري الضيق إلى نطاق التقييم الشامل للاستثمارات المدنية والاجتماعية (HM Treasury, 2022).

ولم يعد القياس المحاسبي قادراً على تسجيل التكاليف المباشرة والظاهرة فقط (كالمرتبات والمواد الخام)، بل امتد الفكر المحاسبي الحكومي ليشمل رصد وقياس وتدقيق التكاليف والمنافع غير الملموسة (Intangible Costs and Benefits) والآثار الخارجية للمشروعات (Externalities)، مثل التلوث البيئي أو الوفورات الزمنية لشبكات النقل، وتحويلها إلى قيم نقدية مكافئة (Monetization) قابلة للإدراج في دفاتر وسجلات التقييم المالي المعاصر لوزارة الخزانة (HM Treasury, 2022).

ثانياً: "الكتاب الأخضر" كدستور ومحك للتقييم المحاسبي والاقتصادي

صيغ "الكتاب الأخضر" ليكون مرجعاً محاسبياً إلزامياً لكافة الجهات الحكومية والوزارات عند إعداد مقترحات الإنفاق الرأسمالية (Capital Expenditure Proposals). وتتمحور فلسفته الرقابية حول آليتين أساسيتين:

  1. نموذج الحالات الخمس لبناء خطة العمل (The Five Case Model): يفرض الكتاب الأخضر تقييماً محاسبياً وإدارياً صارماً للمشاريع عبر خمس مرشحات (Cases) يجب استيفاؤها في دراسة الجدوى وتدقيقها مسبقاً للتأكد من تحقيق "القيمة مقابل المال" (Value for Money): الحالة الاستراتيجية (Strategic Case)، الحالة الاقتصادية (Economic Case)، الحالة التجارية (Commercial Case)، الحالة المالية لفحص القدرة على تحمل التكاليف (Financial Case)، والحالة الإدارية لخطة التنفيذ والرقابة الداخلية (Management Case) (HM Treasury, 2022).

  2. معايير القيمة الحالية (Present Value Standards): أصبح الكتاب الأخضر الملجأ الفني لتوحيد طرق حساب صافي القيمة الحالية الاجتماعية (Social Net Present Value-SNPV)؛ حيث يقدم صيغاً رياضية ومحاسبية دقيقة تلزم المحاسبين والمدققين في القطاع العام بإخضاع التدفقات النقدية والاجتماعية المستقبلية لعمليات "خصم مالي" موحدة بناءً على تفضيل الوقت، مما يضمن موضوعية الترتيب والمفاضلة بين المشروعات المتنافسة على رأس المال السيادي (HM Treasury, 2022).

الفصل الثالث: المنهجية المعاصرة للتقييم الاقتصادي ومعدلات الخصم الاجتماعي (دراسة مقارنة 2026)

يقدم هذا الفصل دراسة مقارنة ومقيمة للمعايير المحاسبية والمعادلات الرياضية المعاصرة المستخدمة في اشتقاق وتطبيق معدلات الخصم الاجتماعي للمشروعات العامة. ويتوزع المحتوى على ثلاثة مباحث رئيسة؛ حيث يتناول المبحث الأول التأصيل النظري لمعدل تفضيل الوقت الاجتماعي وتفكيك مكونات معادلة رامزي (Ramsey Formula). ويستعرض المبحث الثاني السياسة المالية والرقابية لوزارة الخزانة البريطانية وتطبيقاتها لهياكل الخصم المتناقص زمنياً والمعدلات التفضيلية لقطاعي الصحة والبيئة. في حين يركز المبحث الثالث على التوجهات الفيدرالية الأمريكية الصادرة عن مكتب الإدارة والموازنة (OMB) لعام 2026 وفحص الفروق الهيكلية بين النموذجين البريطاني والأمريكي.

المبحث الأول: معدل تفضيل الوقت الاجتماعي ومعادلة رامزي

تتطلب الاستثمارات الرأسمالية الكبرى في القطاع العام (كالبنية التحتية، ومشاريع الطاقة المتجددة) نفقات نقدية ضخمة في الحاضر، مقابل الحصول على منافع وتدفقات اجتماعية واقتصادية ممتدة لعدة عقود في المستقبل. من منظور المحاسبة الإدارية التنبؤية، لا يمكن جمع أو مقارنة المبالغ النقدية والمنافع التي تحدث في فترات زمنية مختلفة دون استخدام أداة موحدة لخصم التدفقات النقدية تسمى معدل تفضيل الوقت الاجتماعي (Social Time Preference Rate-STPR) (HM Treasury, 2022). ويمثل هذا المعدل المحك الأساسي لحساب القيمة الحالية للنفقات والمنافع العامة.

أولاً: التأصيل النظري لمعدل تفضيل الوقت الاجتماعي (STPR)

يعرف معدل تفضيل الوقت الاجتماعي محاسبياً بأنه: المعدل الذي تقبل الدولة بموجبه التضحية بالاستهلاك الحالي (النقود المستثمرة اليوم) في سبيل الحصول على منافع أعلى في المستقبل (Groom & Freeman, 2026). ويختلف هذا المعدل جوهرياً عن تكلفة الاقتراض البنكي؛ فهو لا يعكس سعر الفائدة السائد في السوق، بل يعكس تقييماً قيمياً ومحاسبياً لمدى تفضيل المجتمع للمنافع العاجلة مقارنة بالآجلة، ويُستخدم كأداة رقابية لضمان عدم توجيه رأس المال السيادي نحو مشاريع تستنزف الحاضر دون تحقيق عائد مستدام للمستقبل (HM Treasury, 2022).

ثانياً: تفكيك البنية المحاسبية لـ "معادلة رامزي" (Ramsey Formula)

لاشتقاق هذا المعدل بطريقة علمية موضوعية بعيدة عن التقديرات العشوائية، تعتمد البنوك المركزية ووزارات الخزانة (وفي مقدمتها الخزانة البريطانية والمكتب الأمريكي للإدارة والموازنة) على معادلة رامزي الاقتصادية-المحاسبية، والتي تُصاغ رياضياً في سطر مستقل وموجز على النحو التالي:

STPR = p + (e × g)

ومن واقع التدقيق المالي، تتكون هذه المعادلة من ثلاثة محددات وتقديرات محاسبية رئيسية يعبر عنها بالرموز اللاتينية واليونانية المعيارية كالآتي:

  1. معدل التفضيل الزمني المحض (p): (Pure Time Preference)، ويمثل هذا المكون رغبة الأفراد الطبيعية في استهلاك السلع والخدمات اليوم بدلاً من الغد، مضافاً إليه عامل تحوط مالي ومحاسبي يُعرف بـ مخاطر الفناء أو الكوارث (Catastrophic Risk) (HM Treasury, 2022).

  2. مرونة المنفعة الحدية للاستهلاك (e): (Elasticity of Marginal Utility)، ويمثل هذا المعامل التغير في المنفعة التي يحصل عليها الفرد مع زيادة استهلاكه. من المنظور المحاسبي والاجتماعي، يجسد هذا المعامل مبدأ العدالة التوزيعية (Distributional Equity)؛ فمع نمو ثروة المجتمع مستقبلاً، تقل القيمة النسبية لكل وحدة نقدية إضافية يحصل عليها الفرد (Groom & Freeman, 2026).

  3. معدل النمو المتوقع لاستهلاك الفرد (g): (Growth Rate of Consumption)، وهو التقدير المحاسبي الاستشرافي لمعدل النمو السنوي في نصيب الفرد من الاستهلاك الحقيقي (HM Treasury, 2022). ويؤدي ضرب هذا المعدل (g) في مرونة المنفعة (e) إلى الخروج بالقيمة التعديلية التي تعكس حقيقة أن الأجيال القادمة ستكون أكثر ثراءً من الجيل الحالي، وبالتالي يجب خصم وزن المنافع المستقبلية التي ستصل إليهم حماية للجيل الحالي الأفقر نسبياً (Groom & Freeman, 2026).

ثالثاً: تطبيق معادلة رامزي

لتوضيح الكيفية التي تترجم بها وزارات الخزانة البيانات والمؤشرات الكلية إلى رقم معياري للخصم، نورد المثال الرقمي التالي:

1. المعطيات والتقديرات المحاسبية الافتراضية:

  • معدل التفضيل الزمني المحض ومخاطر الكوارث (p) = 1.0% (أي 0.01)

  • مرونة المنفعة الحدية للاستهلاك وعامل العدالة التوزيعية (e) = 1.0

  • معدل النمو السنوي المتوقع لاستهلاك الفرد المستقبلي (g) = 2.0% (أي 0.02)

2. التعويض الرقمي المباشر في المعادلة:
نص المعادلة:

STPR = p + (e × g)

التعويض بالقيم:

STPR = 0.01 + (1.0 × 0.02)

الحل الرياضي:

STPR = 0.01 + 0.02

STPR = 0.03

إذن، معدل الخصم الاجتماعي المستخرج يساوي: 3.0% سنوياً.

يُقدم هذا الناتج (3.0%) رؤية تحليلية متكاملة لراسمي السياسات المالية والمدققين في القطاع العام، ويمكن تفكيك دلالته للقارئ عبر محورين أساسيين:

  • مفهوم "تأثير الثروة" والتعديل التناظري: يُظهر الشق الثاني من المعادلة (e * g) والذي أنتج نسبة 2.0%، أن المجتمع في المستقبل سيكون أكثر ثراءً ورفاهية نتيجة النمو المستمر في الاستهلاك بمعدل 2% سنوياً. وبما أن مرونة المنفعة الحدية تعادل (1.0)، فهذا يعني محاسبياً أن قيمة "الوحدة النقدية" الإضافية لدى الأجيال القادمة الغنية ستكون أقل منفعة نسبياً مقارنة بـقيمته لدى جيل اليوم الأفقر. لذلك، يفرض المنطق الرقابي خصم (تخفيض) وزن المنافع المستقبليّة بنسبة 2% لتعويض هذا التفاوت المادي وتحقيق التوازن الاقتصادي بين الأجيال (Groom & Freeman, 2026).

  • مفهوم "علاوة الوقت والمخاطر السيادية": يشير المكون الأول (p) البالغ 1.0% إلى التفضيل الإنساني الطبيعي للحصول على المنافع فوراً في الحاضر بدلاً من تأجيلها، مضافاً إليه هامش أمان دفتري للتحوط ضد الاحتمالات الطارئة التي قد تؤدي إلى عدم الاستفادة من المشروع مستقبلاً كالأزمات الجيوسياسية والكوارث الطبيعية المفاجئة (HM Treasury, 2022).

بناءً على هذا الحل، فإن أي مشروع رأسمالي عام لكي يقبل من قبل الدولة، يجب أن تخضع تدفقاته النقدية ومنافعه الاجتماعية المستقبلية لعملية خصم سنوية بمعدل 3.0%؛ فإذا كانت قيمتها الحالية الصافية إيجابية، يعد المشروع كفؤاً ومحققاً للقيمة المضافة مقابل المال العام.

المبحث الثاني: السياسة المالية البريطانية للخصم الاجتماعي (تحديثات 2026)

تُترجم وزارة الخزانة البريطانية المحددات النظرية لمعادلة رامزي إلى قواعد محاسبية تطبيقية صارمة وموحدة تسري على كافة الدوائر الحكومية عند تقييم النفقات الرأسمالية (HM Treasury, 2022). وفي ظل التطورات والمراجعات الاقتصادية الشاملة التي شهدها عام 2026، تبلورت السياسة المالية والرقابية البريطانية في ثلاثة محاور محاسبية جوهرية:

أولاً: معياري لمعدل (STPR) والتحول الهيكلي

وظفت الخزانة البريطانية تاريخياً معدل تفضيل الوقت الاجتماعي القياسي بنسبة 3.5% للمشروعات العادية (HM Treasury, 2022). غير أن التحديثات المحاسبية اللاحقة لمراجعة معدل الخصم المستقلة، والتي قادها البروفيسور بن جروم والبروفيسور مارك فريمان، رصدت تحيزاً يقلل من القيمة الحالية للمنافع طويلة الأجل للمشروعات التحولية الكبرى (Groom & Freeman, 2026). بناءً على ذلك، أعلنت الخزانة البريطانية رسمياً عن التوجه نحو خفض المعدل الأساسي من 3.5% إلى 3.0%. وتتوزع مكونات هذا المعدل دفترياً بين معدل خالي من المخاطر محدد عند 2.0%، وعلاوة مخاطر منهجية محددة عند 1.0% (HM Treasury, 2026).

ثانياً: آلية هيكل الخصم المتناقص زمنياً والعدالة بين الأجيال

عند استخدام معدل خصم ثابت عبر فترات زمنية طويلة جداً؛ حيث إن التدفقات النقدية والاجتماعية التي تقع بعد 50 أو 100 عام تتلاشى قيمتها الحالية دفترياً لتقترب من الصفر (Groom & Freeman, 2026). ولمعالجة هذا القصور المحاسبي والالتزام بالعدالة بين الأجيال (Intergenerational Equity)، يفرض الكتاب الأخضر البريطاني تطبيق هيكل خصم متناقص زمنياً (Declining Discount Rate Structure) على النحو التالي: من السنة 1 إلى السنة 30 يُطبق المعدل القياسي الكامل بنسبة 3.5% (أو 3.0% المعدل في تحديثات 2026)، ومن السنة 31 إلى السنة 75 ينخفض المعدل دفترياً إلى 3.0%، ومن السنة 76 إلى السنة 125 يتراجع معدل الخصم إلى 2.5% (HM Treasury, 2022; HM Treasury, 2026).

ثالثاً: المعالجة المحاسبية التفضيلية لمشاريع الصحة والبيئة

تعتمد السياسة المالية البريطانية مبدأ التنويع المعياري لمعدلات الخصم بناءً على طبيعة الأصول والمخرجات المستهدفة:

  1. المعدل التفضيلي للصحة والحياة (Health Discount Rate): يُطبق الكتاب الأخضر معدلاً تفضيلياً منخفضاً بنسبة 1.5% حصرياً على المشاريع والبرامج المرتبطة بالصحة العامة وحماية الأرواح، نظراً لأن قيمة الصحة قيمة مطلقة ثابتة لا تتأثر بمدى ثراء أو فقر الأجيال القادمة (HM Treasury, 2022).

  2. مشروعات التأمين الاجتماعي والتصدي للأزمات: أتاحت مراجعة عام 2026 استخدام معدلات تفضيلية منخفضة تصل إلى 1.5% للمشروعات ذات الفوائد المعاكسة للدورة الاقتصادية (Counter-cyclical benefits) مثل خطط الاستعداد للأوبئة والتحوط المالي الاستباقي من الكوارث (Groom & Freeman, 2026).

المبحث الثالث: التوجهات الفيدرالية الأمريكية في الخصم الاجتماعي (OMB 2026)

يتولى مكتب الإدارة والموازنة الفيدرالي الأمريكي (OMB) صياغة التوجيهات والمعايير المحاسبية الحاكمة لإجراء تحليلات التكلفة والمنفعة (CBA) للبرامج واللوائح الحكومية، لاسيما عبر وثيقته الشهيرة المنشور رقم A-94 (Circular A-94) وتحديثاته لعام 2026 (OMB, 2026a). وتتلخص التوجهات الأمريكية المعاصرة في ثلاثة أبعاد محاسبية:

أولاً: الثورة المعيارية وخفض التقديرات المحاسبية للخصم

شهدت البيئة الفيدرالية الأمريكية تحولاً جذرياً في فلسفة القياس الكمي؛ حيث ألغى مكتب الإدارة والموازنة التوجيهات القديمة التي كانت تفرض استخدام معدل خصم رأسمالي مرتفع يبلغ 7.0% لعدم ملاءمته للمشاريع طويلة الأجل (OMB, 2023). بناءً عليه، وجه مكتب (OMB) الدوائر الفيدرالية لتبني إطارين للخصم الاجتماعي:

  1. المعدل الاجتماعي الأساسي (Risk-Free Social Rate): ومحدد بنسبة 2.0% كمعيار افتراضي عند إجراء تقييمات تعتمد على "مكافئات اليقين" (Certainty-Equivalent Valuations)، ويستند إلى العوائد الحقيقية الخالية من المخاطر لديون الحكومة الأمريكية على مدى الثلاثين عاماً الماضية (OMB, 2026a).

  2. المعدل الاجتماعي المتضمن للمخاطر (Risk-Adjusted Social Rate): ومحدد بنسبة 3.1%، ويتكون من دمج المعدل الخالي من المخاطر (2.0%) مع علاوة مخاطر افتراضية تبلغ 1.1% (OMB, 2026a).

ثانياً: التقديرات السنوية لـ "تحليلات كفاءة التكلفة" (Cost-Effectiveness Analyses)

يفصل مكتب (OMB) محاسبياً بين "تحليلات التكلفة والعائد" للمشروعات العامة وبين تحليلات كفاءة التكلفة (Cost-Effectiveness Analyses) وعقود الاستئجار التمويلي (Office of the Federal Register, 2026). ولهذا الغرض، يصدر المكتب تحديثاً سنوياً دورياً ملزماً يُعرف بـ الملحق "ج" للمنشور رقم A-94؛ وحسب المذكرة التوجيهية الفيدرالية الصادرة لعام 2026، يتم ربط معدلات الخصم الحقيقية مباشرة بآجال استحقاق سندات الخزينة الأمريكية لمنع الهدر في عقود التوريد طويل الأجل: المعدل الحقيقي للأجل القصير (3 سنوات) محدد عند 1.1%، وللأجل المتوسط (10 سنوات) عند 1.6%، وللأجل الطويل (30 سنة فما فوق) مستقر عند 2.0% (OMB, 2026b).

ثالثاً: المقارنة الهيكلية والمفهومية بين النموذجين البريطاني والأمريكي

يعكس التباين المعياري بين وزارة الخزانة البريطانية والـ (OMB) الأمريكي اختلافاً فلسفياً في معالجة الحيطة والحذر المحاسبية؛ فبينما يتبنى النموذج البريطاني هيكلاً متناقصاً ديناميكياً عبر الزمن لحماية العدالة التوزيعية بين الأجيال (HM Treasury, 2022)، يفضل النموذج الأمريكي ثبات معدل الـ 2.0% كمعيار موحد ومستقر زمنياً لفترات المستقبل المنظور مع الاعتماد على "تحليلات الحساسية" (Sensitivity Analysis) لمعالجة التغيرات طويلة المدى (OMB, 2023; OMB, 2026a).

الفصل الرابع: التمايز المعياري بين الخصم الاجتماعي والخصم التجاري (القطاع الخاص)

يهدف هذا الفصل إلى تفكيك التمايز المعياري والمفاهيمي بين فلسفة التقييم المالي في القطاع العام وفلسفة الاستثمار في القطاع الخاص عبر عدسة المحاسبة الإدارية والمالية. وتتحقق هذه الغاية من خلال ثلاثة مباحث تحليليّة؛ حيث يؤصل المبحث الأول لمحددات أسعار الفائدة الأساسية وبناء نموذج المتوسط المرجح لتكلفة رأس المال (WACC) كمعدل تجاري. ويدرس المبحث الثاني مكونات "علاوة المخاطرة" وآليات التحوط ضد عدم اليقين في دفاتر الشركات. ويختتم الفصل بمبحثه الثالث مستعرضاً الفجوة العميقة في قياس "تكلفة الفرصة البديلة" والترتيب المفاضلة بين تعظيم الأرباح النقدية المباشرة وتحقيق المنفعة الاجتماعية الشاملة.

المبحث الأول: محددات سعر الفائدة الأساسي وتكلفة رأس المال

إذا كان تقييم المشروعات العامة يستند إلى معايير المنفعة الاجتماعية، فإن تقييم الاستثمارات في القطاع الخاص يخضع لفلسفة محاسبية مغايرة تماماً ترتكز على تعظيم ثروة المساهمين وتحقيق الربحية التجارية البحتة (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024).

أولاً: محددات سعر الفائدة الأساسي وتكلفة الاقتراض في عام 2026

يعد سعر الفائدة الأساسي الذي تحدده البنوك المركزية نقطة الانطلاق الجوهرية لبناء أي معدل خصم تجاري (OMB, 2026b). ومن واقع القراءات المحاسبية التمويلية، يتأرجح سعر الفائدة البنكية الأساسي حول مستويات 3.5% (Office of the Federal Register, 2026). هذا السعر يمثل تكلفة الأموال الخالية من المخاطر، ومع ذلك، لا تستطيع أي شركة تجارية في القطاع الخاص الاقتراض بهذا السعر؛ حيث تفرض البنوك "هوامش ائتمانية" (Credit Spreads) إضافية بناءً على الجدارة الائتمانية للشركة، مما يرفع التكلفة الفعلية للاقتراض (Effective Cost of Debt) على الشركات لتعويض مخاطر التخلف عن السداد (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024).

ثانياً: المتوسط المرجح لتكلفة رأس المال (WACC) كمعيار للخصم التجاري

تعتمد الإدارة المالية والمحاسبية في الشركات الخاصة على معيار صارم للمفاضلة بين الاستثمارات الرأسمالية يُعرف بـ المتوسط المرجح لتكلفة رأس المال (WACC - Weighted Average Cost of Capital)، ويُمثّل هذا المؤشر حد الأمان أو الحد الأدنى للعائد الذي يجب أن يحققه المشروع التجاري لكي يغطي تكلفة مصادر تمويله المتنوعة ويحافظ على ثروة المساهمين (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024). ويُحسب هذا المعدل محاسبياً على النحو التالي:

WACC = (E / V × Re) + (D / V × Rd × (1 − T))

حيث تشير الرموز التمويلية المعيارية في الدفاتر التجارية إلى المحددات التالية:

  • (E): القيمة السوقية لحقوق الملكية (Market Value of Equity).

  • (D): القيمة السوقية للدين والالتزامات (Market Value of Debt).

  • (V): إجمالي الهيكل الرأسمالي التمويلي للشركة (Total Capital)، ويساوي حاصل جمع الدين وحقوق الملكية (E + D).

  • (Re): تكلفة حقوق الملكية (Cost of Equity).

  • (Rd): تكلفة الدين وقبل خصم الضريبة (Cost of Debt).

  • (T): معدل الضريبة على الدخل (Corporate Tax Rate).

ومن واقع التحليل المالي، تفصل آليات اشتقاق وتعديل المكونات الرئيسة لهذه المعادلة التمويلية بناءً على محددين جوهريين:

  1. طبيعة معامل بيتا (Beta Coefficient) في قياس تكلفة حقوق الملكية (Re):

لا يمكن حساب تكلفة حقوق الملكية (Re) كقيمة اعتبارية، بل يتم تقديرها محاسبياً بالاعتماد على نموذج تسعير الأصول الرأسمالية (CAPM - Capital Asset Pricing Model)، والذي يرتكز أساساً على معامل بيتا (ويرمز له بالحرف اليوناني (beta (β)) (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024). ويعد معامل بيتا الأداة المحورية لقياس حجم المخاطر المنهجية (Systematic Risk) أو مخاطر السوق التي تواجهها الشركة مقارنة بالتحركات الكلية للمؤشرات المالية. ويحسب معمل بيتا باستخدام معادلة التباين المشترك لعوائد السهم مع عوائد السوق مقسوماً على تباين السوق نفسه؛ ويتم ذلك إحصائياً عبر إجراء تحليل الانحدار الخطي البسيط لأسعار الإغلاق التاريخية للسهم مقابل مؤشر السوق العام على مدى ثلاث إلى خمس سنوات لاستخراج ميل خط الانحدار.

وتتلخص دلالته الرقمية في التقييم الاستثماري كالآتي:

  • إذا كان معامل بيتا مساوياً للواحد (beta = 1.0): فإن تقلبات وعوائد الشركة تتحرك بالتوازي التام مع السوق المالي.

  • إذا كان معامل بيتا أكبر من الواحد (beta > 1.0): يُصنف الاستثمار كأصل عالي المخاطر (مثل قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي لعام 2026)، حيث تكون تقلباته أعنف من السوق، مما يدفع المستثمرين للمطالبة بعائد مرتفع لتعويض الفشل التجاري المحتمل.

  • إذا كان معامل بيتا أقل من الواحد (beta < 1.0): يُصنف كأصل دفاعي مستقر (مثل قطاعات الأغذية والخدمات الأساسية)، وتكون مخاطره أدنى من تقلبات السوق العامة، فيرضى المستثمر بتكلفة ملكية أقل.

يتم ضرب معامل بيتا في علاوة مخاطر السوق مضافاً إليه سعر الفائدة الأساسي الخالي من المخاطر البالغ 3.5% لاستخراج تكلفة الملكية بما يناسب حجم التقلبات المحيطة بالشركة (Office of the Federal Register, 2026).

  1. طبيعة معيار الوفر الضريبي للدين (Debt Tax Shield):
    على الجانب الآخر من الهيكل التمويلي، يظهر محدد التعديل (1 − T) في الشق الثاني من المعادلة ليعكس معالجة تمويلية بالغة الأهمية وهي الوفر الضريبي للديون (Tax Shield) (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024). فنظراً لأن القوانين التشريعية للضرائب تعامل مصروفات الفوائد البنكية المترتبة على الاقتراض كتكاليف تشغيلية قابلة للخصم من الوعاء الضريبي للشركات قبل احتساب صافي الأرباح، فإن التكلفة الفعلية والحقيقية للدين تنخفض دفترياً داخل القوائم المالية، مما يمنح التمويل بالدين ميزة انخفاض التكلفة الصافية مقارنة بالتمويل الذاتي عبر الأسهم.

تدمج الشركات هذه التقديرات للوصول إلى معدل (WACC) الموحد، وتستخدمه كمعدل عقبة أو حد أدنى للقبول (Hurdle Rate) للمفاضلة بين النفقات الرأسمالية الخاصة؛ فإذا كان المشروع الاستثماري يحقق تدفقات نقدية مستقبلية مخصومة تعطي صافي قيمة حالية تجارية (NPV - Net Present Value) سالبة أو دون الصفر، يرفض المشروع ويغلق سجل تمويله فوراً، دون أي اعتداد بالمنفعة الاجتماعية أو الوفورات البيئية غير الملموسة التي قد يقدمها للمجتمع، مما يبرز التباين المعياري الصارخ بين فلسفتي التقييم العام والخاص (OMB, 2023).

المبحث الثاني: علاوة المخاطرة (Risk Premium) في القطاع الخاص

إذا كان معدل الخصم الاجتماعي يتحرك في نطاق منخفض ومستقر (بين 2.0% و3.5%) بدافع المسؤولية الاجتماعية (HM Treasury, 2026; OMB, 2026a)، فإن معدلات الخصم في القطاع الخاص تشهد قفزات حادة لتصل إلى خانات ثنائية بين 10% إلى 15% (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024). ويعود هذا التباين المحاسبي الجوهري إلى علاوة المخاطرة (Risk Premium) وتكلفة التحوط ضد عدم اليقين التجاري.

أولاً: المفهوم المحاسبي لعلاوة المخاطرة وتأثيرها على معدل العقبة

تعرف علاوة المخاطرة محاسبياً بأنها: العائد الإضافي الإلزامي الذي يطالب به المستثمر فوق معدل العائد الخالي من المخاطر لتعويض احتمالية خسارة رأس المال المستثمر (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024). في عرف الشركات، لا يعد معدل الخصم مجرد أداة لتقييم الوقت، بل يستخدم كمعدل عقبة يتناسب طردياً مع حجم المخاطر المحيطة بالمشروع؛ فكلما ارتفعت درجة عدم اليقين المصاحبة للتدفقات النقدية الداخلة، فرض المحاسب الإداري علاوة مخاطر أعلى لخفض القيمة الحالية لتلك التدفقات كآلية تحوط (OMB, 2023).

ثانياً: تفكيك مكونات علاوة المخاطرة في دفاتر الشركات

يواجه المستثمر التجاري حزمة من المخاطر الهيكلية والتشغيلية التي يجب فحصها وتكميمها محاسبياً ضمن علاوة المخاطرة: مخاطر الأعمال والتشغيل الناتجة عن تقلبات الطلب والمنافسة السعرية الحادة، والمخاطر المالية الناشئة عن هيكل رأس مال الشركة والاعتماد المفرط على أموال الاقتراض (Financial Leverage) الذي يرفع من مخاطر الإعسار، ومخاطر السيولة وسوق المال المتمثلة في صعوبة تحويل أصول المشروع إلى نقد سائل دون خسارة في قيمتها العادلة (Theoretical Review of Budgeting Reforms, 2024). إن هذا التفكيك المحاسبي يوضح كيف تحمي الشركات دفاترها؛ فبينما يمكن للدولة استيعاب مخاطر المشاريع العامة عبر توزيعها على ملايين دافعي الضرائب، فإن الشركة الخاصة تتحمل عبء المخاطرة كاملاً بمفردها (HM Treasury, 2022).

المبحث الثالث: تكلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost) والمنفعة العامة

يمثل مفهوم تكلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost) الأداة المعيارية الحاكمة لتخصيص الموارد النادرة وترتيب المفاضلة بين الاستثمارات البديلة (OMB, 2026a). ومع ذلك، فإن إسقاط هذا المفهوم على التقييم يختلف جذرياً عند الانتقال من النطاق التجاري الخاص إلى النطاق المالي العام للدولة (HM Treasury, 2022).

أولاً: محددات تكلفة الفرصة البديلة في المحاسبة المالية والتجارية

في القطاع الخاص، يتم قياس تكلفة الفرصة البديلة بناءً على العائد المالي الفعلي الضائع نتيجة اختيار بديل استثماري دون آخر في السوق المالي. وتمثل عوائد السندات الحكومية المضمونة سيادياً التي تدور حول 3.5% الحد الأدنى الخالي من المخاطر لتكلفة الفرصة البديلة؛ فأي مشروع تجاري لا ينجح في تجاوز هذا العائد الأساسي مضافاً إليه علاوة المخاطرة يعد استثماراً مدمراً للقيمة الاقتصادية للشركة. وتقتصر بنود المنافع والتكاليف في دفاتر المحاسبة التجارية على التدفقات النقدية الداخلة والخارجة التي تدخل حسابات الشركة المصرفية بشكل مباشر فقط.

ثانياً: تكلفة الفرصة البديلة الاجتماعية وتعظيم المنفعة العامة

على الجانب الآخر، تتسع دفاتر المحاسبة الحكومية والاجتماعية عند استخدام أدلة التقييم الحديثة لتشمل إطاراً أشمل لتكلفة الفرصة البديلة يرتكز على المنفعة الاجتماعية الشاملة (Social Welfare) (HM Treasury, 2022; OMB, 2026a). فالإدارة المالية العامة لا تنظر لتكلفة الفرصة البديلة على أنها مجرد تفويت عائد مالي في البنك، بل على أنها تحويل للموارد الإنتاجية المحدودة للمجتمع من استخدام قطاع خاص إلى استخدام حكومي (HM Treasury, 2022). وبناءً عليه، تدرج موازنات البرامج والمهام الحكومية عوائد غير ملموسة لا يمكن للمستثمر التجاري قيدها في دفاتره كتحسين جودة الهواء وخفض معدلات الجريمة؛ ويتم خصمها بمعدلات منخفضة وتفضيلية تصل إلى 1.5% لضمان إظهار قيمتها الحالية المرتفعة وتشجيع تخصيص الموارد الرأسمالية نحوها (HM Treasury, 2022; Groom & Freeman, 2026).

الخاتمة والتوصيات

1. النتائج (Results)

قاد هذا البحث مساراً تحليلياً وتأصيلياً لتتبع تطور أنظمة الموازنة العامة وآليات التقييم الاقتصادي، مبرزاً التحول التاريخي من محاسبة الالتزام والموازنات التقليدية إلى فضاء العقلانية الاقتصادية والمحاسبة الإدارية. وأظهرت الدراسة أن مأسسة أدوات القياس الكمي وتحليلات التكلفة والمنفعة (CBA)، والتي استمدت جذورها الهيكلية من نظام تخطيط وبرمجة الموازنة الأمريكي (PPBS) وإصلاحات تقرير فولتون (1968) في بريطانيا، قد شكلت نقطة التحول الكبرى في صياغة الأدلة الحاكمة للنفقات الرأسمالية، وعلى رأسها "الكتاب الأخضر" لوزارة الخزانة البريطانية. ومن خلال الدراسة المقارنة، اتضح أن تحديد معدلات الخصم الاجتماعي لا يمثل مجرد عملية رياضية مشتقة من معادلة رامزي، بل هو خيار محاسبي واستراتيجي يوازن بين كفاءة تخصيص رأس المال والعدالة التوزيعية بين الأجيال. وأخيراً، أثبت تفكيك آليات الخصم وجود فجوة معيارية عميقة بين معدلات الخصم الحكومية والمعدلات التجارية في القطاع الخاص.

2. التوصيات (Recommendations)

بناءً على النتائج التي خلص إليها البحث، يضع الباحث جملة من التوصيات الموجهة لراسمي السياسات المالية ومصممي الأنظمة المحاسبية الحكومية في الاقتصاديات الناشئة والدول النامية:

  • تطوير أدلة محاسبية وطنية إلزامية: ضرورة صياغة أدلة تقييم وطنية موحدة تلزم كافة الجهات الحكومية بتقديم دراسات جدوى كمية مبنية على "نموذج الحالات الخمس" قبل إدراج المشروعات في الموازنة الرأسمالية.

  • إصلاح هيكل الخدمة المدنية المالية: تبني توصيات تقرير فولتون عبر إنهاء "عقيدة الهاوي" في الإدارات المالية الحكومية، والاعتماد المكثف على الكوادر المهنية المحترفة في المحاسبة الإدارية وقياس الأداء.

  • مأسسة جهات رقابية مستقلة للتوقعات: تأسيس مجالس أو مكاتب مستقلة للمسؤولية المالية تتولى حصر التقديرات والتوقعات الاقتصادية بعيداً عن التحيز الإداري، لضمان تطبيق مبدأ الحيطة والحذر المحاسبي.

  • تبني معدلات خصم اجتماعية مرنة ومتناقصة: التخلي عن استخدام أسعار الفائدة التجارية أو تكلفة الاقتراض البنكي كمعيار لخصم المشروعات العامة، والاستعاضة عنها بمعدلات خصم اجتماعية مشتقة من تفضيل الوقت، مع تطبيق الهيكل المتناقص زمنياً للمشاريع الاستراتيجية والبيئية لضمان حقوق الأجيال القادمة.

المراجع (References)

  1. Connolly, M., & McKeown, P. (2026). From Public Administration to Public Management. In Comparative Public Administration (pp. 45-68). Emerald Publishing Limited. doi.org

  2. Fulton, J. (1968). The Civil Service: Vol. 1. Report of the Committee 1966–68 (Cmnd. 3638). Her Majesty's Stationery Office (HMSO).

  3. Groom, B., & Freeman, M. (2026). Independent review of the social discount rate in the Green Book. HM Treasury.

  4. HM Treasury. (2022). The Green Book: Central Government Guidance on Appraisal and Evaluation. Open Government Licence. www.gov.uk

  5. HM Treasury. (2026). Green Book discount rate review 2026: Ministerial statement and update guidance. Open Government Licence.

  6. National Research Council. (1969). Program Budgeting and PPBS in the Federal Government. Highway Research Record, (288), 12–25.

  7. Office for Budget Responsibility [OBR]. (2025). Economic and fiscal outlook. Fiscal Policy Report. obr.uk

  8. Office of Management and Budget [OMB]. (2023). Circular A-4: Regulatory Analysis. Executive Office of the President of the United States.

  9. Office of Management and Budget [OMB]. (2026a). Circular A-94: Guidelines and discount rates for benefit-cost analysis of federal programs. Executive Office of the President of the United States.

  10. Office of Management and Budget [OMB]. (2026b). Appendix C: Discount rates for cost-effectiveness, lease-purchase, and related analyses for calendar year 2026. White House. whitehouse.gov

  11. Office of the Federal Register. (2026). Discount rates for cost-effectiveness analysis of federal programs (OMB Circular A-94 Annual Update 2026). Federal Register, 91(48), 10725-10728. federalregister.gov

  12. RAND Corporation. (1969). The Essentials of a Planning-Programming-Budgeting System (Paper No. P-4124). rand.org

  13. Theoretical Review of Budgeting Reforms. (2024). Public Budgeting | Business and Management Journal, 18(2), 112–135.